السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي

15

وسيلة الوسائل في شرح الرسائل

القطع في بعض المسائل معه والتّحقيق انّ ذلك انّما نشأ من الخلط بين مرحلتي الاجتهاد والفقاهة فانّ الاجتهاد عبارة عن تحصيل الحكم الواقعىّ من الأدلّة ولا يمكن اعتبار القطع فيه لظنّيّة الأدلّة غالبا وامّا الفقاهة وهي عبارة عن التّعبد بما ادّى اليه الظّنّ وبعبارة أخرى هي مقام العمل بالحكم الظّاهرى ولا ريب في حصول القطع به واليه ينظر قولهم انّ ظنّية الطّريق لا تنافى قطعيّة الحكم ومن هنا ردّ الوحيد البهبهاني في فوائده العتيقة الاخباريّين في قولهم بانّ المجتهدين يعملون بالظّن بانّهم يعملون باليقين وقال ره في جملة كلمات له في تعليقاته على المعالم انّ التّقييد بالظّنّ في تعريف الاجتهاد إذا كان ناطقا بانّه ظنّى فالتّقييد بالعلم في تعريف الفقه ناطق بانّه علمىّ وهذا ينادى بالفرق بينهما ولذا يحرّم الأخباريّون الاجتهاد ولا يابون عن الفقه ولعلّ ما ذكرناه هو الّذى دعى الشّارح الجواد ره إلى تفسير القطعيّات في المتن مع عمومها بضروريّات الدّين لا مطلق ما ينتهى إلى القطع مع انّ عنوان هذه المسألة يراد به تحقيق الحال في مقامات حصل لمضايقة فيها من الأخباريّين وغيرهم في وجوب العمل بالقطع كقطع القطاع وما لم يكن بتوسّط الحجّة والإمام عليه السّلم قوله امّا الكلام في المقصد الأوّل اه أقول لا شكّ في كون الحكم بحجّيّة القطع واعتباره وعدم كونه قابلا للجعل والتّصرف فيه وغيرهما من الاحكام مسبوقا بحسب الطّبع بتصوره فلا بدّ من بيان حقيقته وانّ تصوّره بديهىّ أو نظرىّ فاعلم انّ لفظي القطع والعلم بحسب الاصطلاح مترادفان والاعتقاد اعمّ منهما بحسب أحد اطلاقيه المرادف فيه للتّصديق لشموله الظّن أيضا واخصّ منهما بحسب اطلاقه الآخر وهو اطلاقه على العلم التّقليدى والادراك يفارقهما مفارقة الجنس للنوع بحسب أحد الاصطلاحين فيه ومفارقة النّوعين بحسب الاصطلاح الآخر ثمّ انّهم اختلفوا في انّ تصوّر العلم والقطع بديهىّ أو نظرىّ فذهب الامام الرّازى إلى الأوّل واستدلّ عليه بوجهين أحدهما ان غيره يعلم به فلو علم هو بغيره لزم الدّور وثانيهما ان علم كلّ أحد بوجوده بديهىّ وهو مسبوق بمطلق العلم فهو أولى بالبداهة وذهب المحققون إلى انّه نظرىّ لوجوه مذكورة في محلّها ثمّ انّهم اختلفوا في انّ تحديده ممكن أو لا فقيل بالثّانى لما مرّ وقيل بالأوّل والحقّ انّ ما ذكروه في مقام التّعريف هو التّعريف بحسب اللّفظ مثل تعريفه بانّه معرفة الشّيء على ما هو عليه مع اطمينان النّفس أو انّه ادراك الشّيء على ما هو به أو اثبات المعلوم على ما هو به أو اعتقاد الشّيء على ما هو به أو ما يعلم به الشّيء أو انّه صفة توجب تميزا في المعاني لا يحتمل النّقيض أو صفة ينجلى بها امر معنوىّ لمن قامت به أو انّه صورة حاصلة عند المدرك أو حصول الصّورة عنده أو انّه الاعتقاد المقتضى لسكون النّفس أو انه استبانة الحقّ أو انّه حضور اشراقي للمعلوم عند النّفس المدركة أو انّه ادراك جازم أو انّه انطباع صورة الأشياء في مرايا النّفوس إلى غير ذلك من التّعاريف الّتى ليس في التّعرّض لها فائدة ووجه خفائه خفاء كيفيّة تحقّقه للعالم وقد اختلفوا فيها على أقوال فقيل بالانطباع وقيل بالاستحضار وذهب بعض المحقّقين إلى ايجاد النّفس له ثمّ انّه على قسمين ضرورىّ وكسبىّ والأوّل ما لا يحتاج حصوله إلى نظر والثّانى خلافه ولا بدّ في حصول كلا قسميه من الاستعداد غاية الأمر انّ الاستعداد في الأوّل باستعمال الحواسّ الظّاهرة والباطنة وفي الثّانى بحصول الأوّل وهو ظاهر وهاهنا اشكال وهو انّ العلم والقطع بالشّيء يقتضى ان لا يحتمل نقيضه بناء على ما عرفت من معناه وهذا لا يتمشّى في العلوم العادية الّتى يكون المستند فيها جريان العادة واستمرارها على ذلك المنوال ككون الجبل حجرا مع انّه لا شك في كونها من افراد العلم فانّ الحاكم بهذا الحكم يجوز سلب الحجريّة عن الجبل امّا بانقلابه ذهبا أو باعدامه وايجاد غيره بناء على انّه تعالى قادر مختار لا يمتنع عليه شيء وقد يدفع بانّ المراد بعدم احتمال النقيض في العلم هو عدم تجويز العالم ايّاه لا حقيقة ولا حكما امّا في التّصوّر فلعدم النّقيض أو لانّه لا معنى لاحتمال النقيض بدون شائبة الحكم وامّا في التّصديق فلاستناد جزمه بالحكم إلى موجب بحيث لا يحتمل الزّوال أصلا والعلوم العادية كذلك لأنّ الجزم فيها مستند إلى موجب هو العادة وانّما يحتمل النقيض بمعنى انّه لو فرض وقوعه لم يلزم منه محال لذاته لكونه من الممكنات الّتى يجوز وقوعها ولا وقوعها وذلك كما يحكم ببياض الجسم المشاهد قطعا مع انّه في نفسه ممكن ان يكون وان لا يكون والحاصل ان العلم بكون الجبل حجرا ممّا لا يحتمل النقيض بحسب العادة لقضائها باستحالة كون الشّيء في وقت واحد متّصفا بالنّقيضين فمتى اتّصف بالحجريّة استحال عادة اتّصافه بغيرها في ذلك الوقت وان أمكن بالنّظر إلى قدرة اللّه تعالى فان قلت انّ مطلق تجويز النّقيض مناف للجزم كيف وتجويز النّقيض ولو باعتبار ما لا يجامع الجرم بحكم من الأحكام لظهور عدم اجتماع تجويز النّقيض مع الجزم بعدمه ولا شك في تجويز النّقيض في العلوم العادية لاستنادها إلى استمرار العادة المنخرقة كثيرا بمعجزة الأنبياء وكرامات الأولياء فلم يبق لنا وثوق بانّها لا تنخرق فيما بعد فإذا جاز انقلاب العصا حيّة بمعجزة نبىّ جاز انقلاب الحجر ذهبا بكرامة ولىّ نعم لنا ظنّ قوىّ متاخم للعلم ولقربه منه نتخيله ايّاه كما قاله بعض الحكماء في الحدسيّات والتّجربيات فلا ضير في خروجها عن حقيقة العلم قلت لو كان مطلق تجويز النّقيض منافيا للعلم لأدى ذلك إلى أن لا يحصل الجزم بالحسّيّات المتّفق على حصول الجزم بها والتزامه مشكل كما لا يخفى قوله لا اشكال في وجوب متابعة القطع اه أقول حجّية القطع بمعنى وجوب متابعته من البديهيات الغير المحتاجة إلى الاثبات الّا انه يمكن الاستدلال عليها بوجوه الأوّل انّه لو لم يكن حجّة لزم التّناقض إذ هو أعلى طرق الواقع فلو لم يكن حجّة فإن كان نقيضه حجّة ومرآة إلى الواقع لزم اجتماع النّقيضين والّا لزم ارتفاعهما وبطلانهما ظاهر الثّانى انّه لو لم يكن حجّة فامّا ان يدعى ذلك على سبيل القطع أو غيره فعلى الثّانى يلزم ابطال الرّاجح بالمرجوح ويحكم بديهة العقل ببطلانه وعلى الأوّل فامّا ان يعتبر ذلك القطع الثّانى فيلزم حجّيته وما يستلزم عدمه وجوده فهو محال وامّا ان لا يعتبر فهو خلاف المقصود كما لا يخفى الثّالث انّه لا شكّ في وجود حجة في سنخ الإدراكات لبطلان مذهب السّوفسطائيّة كما سنشير اليه فهو امّا القطع أو غيره من الظّنّ والشّكّ والوهم فإن كان الأوّل ثبت المط وان كان غيره فمع استلزامه ترجيح المرجوح يرد عليه انّ حجّيته لا بدّ ان